السعيد شنوقة

221

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

يرى بأنه يصدق بعضه بعضا مثل قول الله عز وجل : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [ البقرة : 26 ] ( وقوله : كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [ الأنعام : 125 ] ، وقوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [ محمد : 17 ] . وهي من المتشابه عند المعتزلة لأن ظاهرها يوهم أن الله عز وجل هو الذي يضل الفاسقين ، ويجعل الرجس ، ويهدي المهتدي . ألا ترى أن مجاهد بن جبر قد أدخلنا بهذا الاستشهاد على المتشابه في سياق التأويل الاعتزالي للمتشابهات ؟ فقد كان الحسن البصري ( ت 110 ه ) يستشهد بقوله تعالى : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [ البقرة : 26 ] على خلق الإنسان لفعله وقدرته عليه ومسؤولية عنه . وينسحب هذا على الآية الثانية لأنه وإن لم ينصّ عليه ، فإنه في تأويله لها دلّ على أنها وظفت من القائلين بالجبر ضد المعتزلة « 1 » . ونستخلص من هذا أن مجاهد قد نزّل بعض النصوص من آي الذكر الحكيم منزلة التشبيه والتمثيل ، وهذا منهج قرره المعتزلة فيما سنذكره لاحقا في تفسيرهم للنصوص التي فسروا على منوالها قوله عزّ وجلّ : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 ، 23 ] بأن ( ناظرة ) معناه منتظرة ثواب ربها . وقد ذكرنا تفصيله قبل « 2 » . ولعل هذا التوسع في حرية الرأي عند مجاهد أنتج تحفظ المتحرّجين من القول بالتفسير بالرأي ، ومن أن يتجنبوا تفسيره . غير أن تساهله مع نفسه في هذا الاجتهاد لم يكن لينال من قيمته « 3 » ؛ لذا قرب بهذه السمة في تفسيره من الخلاف والجدل حول القدر والجبر والحرية . ويمكن القول بأن حرصه أيضا على تتبع

--> ( 1 ) انظر د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 145 . ( 2 ) انظر ابن قتيبة ، الاختلاف في اللفظ ، ص ، 30 اختلف المفسرون في تأويل ( ناظرة ) قال بعضهم : تنظر إلى ربها . أو ينظرون إلى الله عز وجل لا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره محيط بهم وهو معنى قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ الآية ، وقال بعضهم : تنتظر الثواب من ربها : تفسير الطبري ، ج 29 ، ص ، 192 وقال القرطبي ( ت 671 ه ) : ذهب جمهور العلماء إلى أن ( ناظرة ) : تنظر إلى ربها ، وقيل : النظر هنا ما لهم عند الله من الثواب : الجامع لأحكام القرآن ، تحقيق أحمد عبد الحليم البردوني ، ج 19 ، ص 107 - 108 . ( 3 ) انظر د . محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ، ج 1 ، ص 108 - 109 .